عمر فروخ
182
تاريخ الأدب العربي
ولا بدّ من الإشارة إلى فقيهين كبيرين في أعقاب هذا العصر : أبي الحسن عليّ بن محمّد القيروانيّ القابسيّ ( 324 - 403 ه ) شيخ المالكية في عصره ، كان حافظا للحديث عالما بالفقه أصوله وفروعه ومشاركا في علم الكلام كثير التأليف في الأصول والفروع ؛ ثمّ موسى بن عيسى بن حاجّ الغفجوميّ - نسبة إلى غفجوم وهي فخذ من زناتة - والمشهور بأبي عمران الفاسي ( 368 - 430 ه ) طاف البلاد فسمع العلم في القيروان وقرطبة ومصر وبغداد ومكّة . وكان يقرئ القرآن بالقراءات السبع ويجوّدها مع المعرفة بالحديث ورجاله وبالفقه . ثمّ كانت وفاته في القيروان وقبره في ظاهرها معروف يزار ويشار إليه . ومع أنّ الفقه المالكي كان هو الغالب في المغرب والأندلس ، فإنّ المغرب والأندلس كليهما قد عرفا اتّجاهات قليلة البروز أو كثيرة البروز من مذاهب أخرى . أمّا في المغرب فانتشر ، في وقت من الأوقات ، فقهان : الفقه الإباضي والفقه الفاطمي . بعد انقضاء حكم الرستميّين في تاهرت بالاستيلاء الفاطمي ( 296 ه ) انسحب الإباضيّة إلى جبل نفّوسة وأقاموا لأنفسهم حكما محلّيّا وحكومة يجب أن تكون شورويّة ، كما هو معروف من قواعد المذهب . والمفروض في هذه الحكومة المحلّيّة أن يكون أمراؤها علماء . فمن الأئمة ( بالمعنى السياسيّ والمعنى الديني معا ) ممّن نعرف أسماءهم : أبو عمر ميمون ثمّ أبو الفضل سهل ثمّ أبو يحيى زكريّا الأرجاني . وقد ثار هؤلاء على العبيديّين . ويرى سليمان البارونيّ ( مختصر تاريخ الإباضيّة 52 ) أنّ هؤلاء جميعهم كانوا في المائة الرابعة من الهجرة والنصف الأوّل من المائة الخامسة . ولعلّ أبا زكريّا يحيى بن الخير الجنوونيّ - وهو من جبل نفّوسة أيضا - ( راجع بروكلمن ، الملحق 1 : 692 ) كان من هؤلاء أو بعيد عصرهم . لقد كان من علمائهم على الحصر ، درس على سليمان بن أبي هارون وعرفنا له كتابين طبعا فيما بعد : كتاب الوضع في الفروع ( القاهرة 1305 ه ) وكتاب النكاح والطلاق ( القاهرة ، بلا تاريخ ) . وفي هذه الحقبة ألّف القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور ( ت 363 ه )